Monday, April 22, 2019

مَن أنا؟

مَنْ أنا؟
أنا مَن قالتْ لهُ السماءُ: "كُنْ قمراً"
فلا صِرْتُ قمراً ولا حتّى نَجْماً صغيراً،
صرتُ السماء!

عَمَّ أبحث؟
أبحثُ عن أشياءَ
لا تبحثُ عنِّي أبداً
أنهمرُ دمعةً تحتَها
وأيضاً، لا تزالُ
لم تبحثُ عنّي أبداً
أنحازُ إلى أفكارٍ مشابهةٍ
وأيضاً لا تبحثُ عنّي أبداً
حتّى صرتُ أنا أنا
أدورُ حولَ ما لا يدور حولي

ماذا أريد؟
لا أريدُ شيئاً سوى قطةٍ تدخلُ إليَّ مِن بين الكتب،
وحبيبةٍ نجلس معاً في المكتبة،
وإبريق شاي.

أينَ أذهب؟
أذهبُ إلى قبيلةٍ من الرعاة،
أحملُ ناياً لا يحمله الآخرون
نسيرُ إلى فنائنا
طائعين
نحنُ لا نذهبُ إلّا إلى ما نُحِبُّ.

كيف يبدو العالم في الخارج؟
ماذا تقصدُ بِ "العالم"، وماذا تقصدُ أيضاً بِ "الخارج"؟
وأريدُ منكَ ألّا تغضبَ أيضاً لأنني سأسألك:
ماذا تقصدُ بِ "كيف؟"!؟


Friday, January 6, 2017

أحبُّ


أحبُّ، أحبُّ الليلَ يقشر لنا برتقال المدينة، ويصنع لنا كعكاً من الهواء الخفيف يدخلُ إلينا إلى حيث ما لا نعلم ويحضننا بيديه التي لا تنتهي، فيعطينا الأمان والأسئلة، الأسئلة تخلع ثياب الخوف، والليل يحضن السماء.

أحبُّ،
أحبُّ السماء، تسقط علينا كرجالٍ أفرطوا في الحُلم، وتجعل النجومَ تبيتُ في كفيها، السماءُ مِثلُ أمٍ تسمع كلامَ أبنائها، وتتسع.

أحبُّ ذرةَ الرملِ تلك، التي تجلس في مكانها تنتظر الوقتَ الذي ستصبح فيه ذرةَ رملٍ أكبر، على أملٍ تعرف أنه لن ينفع.


أحبُّ النجمَ، يهوي ويقبِّل السماءَ -الأرضَ- يشكرها على حضنها، ويخدش الغيم بلا أذى كطفلٍ يداعب الأرض لأول مرة، ويضع يده في أيدي النجوم الآخرين، يمر عليهم، قائلاً: مرحباً، أينقص عنكم أي شيءٍ من الدفء؟

 النجمُ قيمتُه الضوء.

أحبُّ الضوءَ يحمل نفسه إلى البعيد، يسير بنفسه عن نفسه آملاً في أن يضع النهر في أيدي السائلين، الضوء يرفعنا، ويرينا إلى أين سنهرب، ويحملنا إلى بلادٍ من الحقيقة، الضوء أحدُ الأولياء.
أحبُّ، وجهَكِ، يحمل أقداح العسل في خديكِ ويهديه لكل من يسأل، فيضيء جبينكِ كالشمس على مشهد من الحديقة التي اسمها وجهك، يسير على جبلين من اللؤلؤ المضمون.


أرى،

 أرى النجمَ الذي يجلس فوق المدينة المظلمة، ويقول: يا المدينة، شعرُكِ الأسود الطويل الممتد هذا ليس جميلاً، وأنتِ لستِ خفاشاً، لوني شعرك يا المدينة، فإن الألوان ممكنة، وإن احتمال الجمال في وجهكِ ممكن، يا المدينة كفى.

يقول رجلٌ يقف في زاوية المشهد:

 لقد أثقلتْني الاحتمالات.


Sunday, August 28, 2016

"لو"



"لو"


لو أنَّ ”لو“ تنفعُ أن تقالَ بدون معناها وفي غير مكانها، لصارت لو كلمةً خفيفةَ الظل، ولجعلتُها أغنيةً نغنيها على عشِّنا، لمزَّقنا لو من حرفيها الملتويَيْن ووضعناها كصورةٍ على حائطنا، ولكان المشهدُ أكثر نقاءً من غيِّ البشري، لو كانت لو تنقلبُ من أذنيها إلى عكسها؛ "والهدهد يطيرُ من يدينا."، لكنَّ لو من عملِ الإنسان، والشيطان هو لو، ولو: كلمةٌ أفعى تعشعش في رأسي لتصدرَ البكاء، ولو تتلوى بواوٍ ولام، واو: وادٍ من جهنم يذهبُ إليه الخائفون، ولام: ليلٌ طويلٌ يسكن فيه الوحيدون.

لو أنِّي سمعتُ الطفلَ الذي فيَّ وهو ينادى على الأمِّ التي رآها بكِ، لمددتُ يديَّ إلى الأعلى كالطفلِ لكي أتشبثَ باليدين اللتين انغمستا في عجينِ روحي، فتمارسُ الطبيعةُ دورَها بأن تمدِّي يديكِ، فتعانقي الصغير وترفعيه إليكِ ثم تلقيه إلى السماء، فتخرجُ منه ضحكاتٌ تشبهُكِ، لكنَّ شرقاً داخلنا، يأمرنا بأن نخفيَ طفلاً داخلنا، ثم أن نقتلَه ونبيعَ لحمه للهواء.

 لو أنَّ الرياحَ التي تمرُّ مع الوقت تمسحُ ما تبقّى من الصورة، لظننتُ أن الوقتَ سيأخذني إلى نجاةٍ ما، لو كانتْ القصيدةُ تنتهي كانتهاء الحبلِ الذي يشبهُ السور، لزال الوجعُ الخفيفُ المخبأ في وسادةٍ منتفخةٍ تحت الضلوع.
  لو كان كلُّ شيءٍ يسيرُ كما يسيرُ القمرُ في مداره ناسياً ما عليه من واجبٍ تجاهَ الأرض، لكان الضوء، لكنني ظللتُ الأرض. لو قيل لي "اذهبْ إلى السماء والتقطْ غيمةً لتشربها"، لنجوت، لكني في كل مرةٍ أفعل ذلك، أصيرُ البكاءَ ودمعةَ الغيمة وينهمر الماء على خدي. وإنه كما يردد الجيولوجيون: إنَّ في الأرض ناراً في قلبها نارٌ تكوي الصخر فيذوب، فتنتجُ النار أيضاً كنتيجةٍ مرةً أخرى، لكنكِ أنتِ وضعتِ قلبي في قدرٍ فيه من نار الأرض، وظللت تطبخين وتضحكين. فانصهر قلبي في الحَلَّةِ، فجاء لي ابنٌ منكِ اسمُه النار
.

لو أنَّ ندائي لكِ كان أعلى، أو أن عاشت الفراشاتُ في صدري أكثر، لأزهرتِ في براريَّ ولأنرتِ المشكاةَ البيضاءَ في داخلي، لكنَّ شوكةً كانت تجرح مدينةً بنيناها في خيالنا، وتوقدنا في بردٍ يحترق. لو كنَّا لكانت الماءُ حكايتَنا الوحيدة، ولانزلقتِ الألوانُ إلى خيمتِنا، لكني كنتُ أضيءُ الشمعةَ لصورتك لا غير، وكنتُ أزرعُ اسمَكِ في كل زاويةٍ من البيت، أما عن الأغاني التي كتبتها عنكِ فغنيتُها لطيفِك وحدهُ، لكني لم أعلم أنّكِ تجلسين وحدَكِ هناك، في الزاوية الأخرى من المدينة.

لو أنَّ الصرخةَ الصباحيةَ الدائمة "أينَكِ؟" خرجتْ من حيطان غرفتي ووصلت إلى حديقةٍ في أذنِكِ، لصار جسرُنا فوق الحديقة وتمشينا عليه سوياً، ولظللتُ أهمسُ لكِ بالحقيقة الأكبر في العالم "أحبُّكِ" في قلب أذنك، ولنبت من حديثنا الورد، لكنَّ وردةً ذابلةً نبتت أعلى الصدر، استنزفتني وأنزفتني، فصار دمي على وجهي، وكان الحريق يملأ الهواء حولي، الفراقُ كلمةٌ سوداءُ من أربعةِ أحرفٍ تجلسُ كالكابوس على قمرِنا، أما قمرُنا لم يولد أيَّ مرةٍ منذ بدايته.

لو أن يداً واحدةً امتدَّتْ أكثر لتمزق الهواءَ الهباءَ الذي يفصلُ بيني وبينكِ، وارتطمتْ بخفةٍ بأرضٍ فيكِ قد حصدتِها وحدَكِ، لصارت يدي ترتعشُ فترشُّ الماءَ على أشجارٍ من عاطفة داخلك، ولكانت يدي كالإله تعطي الأرض المعنى وتمسح الآلامَ والخطايا، لكنَّ حقيقةً كانت حديقةً غير موجودة، وكانت الغاباتُ تحترقُ في داخلي وتخرج النيران من أذني، أحبُّكِ لم أعرفُ كيفَ أقولها.

لو أنَّ عينيَّ ظلتا تحدقانِ وتحدِّثانِ وجودَكِ بإيماءتين، ولم أنزلْهما عنكِ خوفاً من الإمام، لصرنا الفضيلةَ والحقيقةَ والأمنيات، ولسقطَ الإمام.

لو أنّ تنهيدةً خرجت إلى القمر فارتدتْ إلينا، لصرنا معاً سلماً إلى السماء، لكنَّ غباراً بشرياً كان في الطريق، يكسِّر السلَّمَ ويقطّعنا قِطَعاً إلى ما يريد، فسرنا على الخط الذي وضعه الأولياء، وهبطنا إلى شكٍ في وجهةِ الماء وأبجدية الهواء، فتشوَّهت الأغنيةٍ وانحسرت البلاد في وعيي، أما أنتِ فرأيتِ الذهبَ بعيداً عني، وتقلَّبْنا في الحريق، فافترقنا قبل أن نلتقي.

 سينام المظلومون في سجنٍ أسود، قليلين ومهجورين، يستمعون للأغاني بطريقتهم الخاصة، الأرضُ الفراغ تحوطُهم من جميع الجهات، ويرتعبون من فكرة النظر للحائط لئلا يروا أحباءهم فيه، الروحُ الخرابُ خشبٌ مهتريء يمتلأ بالقحط وسهولة الانكسار، مربعاتٌ لا تنتهي حول المشهد تضع الوقتَ في حربٍ مع الأسئلة، ودوائر وهالات تمثل لانهائية الاحتمالات، الاحتمالاتُ تتمرجحُ في العتمة، ولا يوجد في الرأسِ إلا حقيقةً واحدة: سينتهي كل هذا عندما تأتين.

 لو أنَّ كوكباً من الذي على يدي مشى إلى نجمةٍ على خدكِ، لصرنا أول البشر ولجعلنا من حكاياتنا أكواناً تخلق أكواناً أخرى، وانتهينا عند نقطةٍ في المستحيل نائمين هادئين، لكنَّ كوني كان وحيداً لا يعلمُ من أين ومتى بدأ، أما عن نهايته فكان ينتهي عند كل لحظة. وكما تقول المادةُ: "يذوب السحابُ في السحابة القريبة"، لكنَّ شللاً أصاب بياضَ غيمتي أردى جبينَكِ الثلجيَّ أسوداً، وإنَّ الليلَ عمَّ على العدم فيَّ، فصرتُ قصةً مبتورةً، حديقةً سوداء، وغيمةً عاقر. ولكنكِ ظللتِ على ما أنتِ عليه: أجملَ وردةٍ في الكون.

Tuesday, August 23, 2016

نص إلى ماجدة الرومي


صوتُكِ، ارتجاف السماء يظهر في قطعةٍ من الأرض، ألمٌ مخمليٌّ وفاخرٌ ينبعثُ من امرأةٍ وحيدة، يا شاهدَ الصوتِ الكبير، اشهدْ واشتد، لكي ندوخَ بصوتكِ في هاويةٍ من السماء، الموسيقى تأتي بعدَ صوتِك، فيصعدُ صوتُكِ ويأكلُ الموسيقى كحلوى العيد، لن يكونَ لدينا لحن، ستكونين أنتِ مصنعَ الألحان، يا نهراً من اللغة وبحراً من الفكرة، تمخطري بصوتكِ، واشتدي بعُودِكِ، غيبي عشرةَ أعوامٍ وتعالي، سيظلُّ لدينا قمر.
وأدخلينا في حالةٍ من أن ندخلَ في حالةٍ لم نعرفْها إلا من صوتك، صوتُكِ ترجمةٌ للعهدِ القديم الذي نسيه الصالحون في داخلك.
شكِّلي الكلامَ وأخرِجيه مُقطَّعاً أو كما يحلو لك، لن يحلو لكِ إلا الجميل، الصوتُ يسبقُ القصيدةَ، صارت القصيدة لك. مدّي بصوتكِ عندما تقولين كلمةً قليلةَ الأحرف، كيف يمكنُ للصوتِ أن يكونَ قوياً وخفيفاً في آنٍ واحد؟ والشِّعرُ يذوبُ في فتحةِ فمك عندما تقولين كلمةً مغناة، لم أسمعْكِ في أيِّ مرةٍ وأنت تتحدثين كلاماً عادياً، لم أفعل، لأن أيَّ كائن سيحمي نفسَهُ من الموت.

ورغمَ أنَّ موسيقاكِ مدهشة، إلا أنكِ لا تندهشين، إن هذا منصفٌ، لأنه لا يمكن لشيءٍ معقدٍ أن يندهشَ من شيءٍ بسيط، لا يمكنُ للدهشةِ أن تندهش.
وتعبِّئينا بالغناء، ونعبئك بالهتافات، وشكراً لوجودِ طوقِ الياسمين، لقد رأيتُه أيضاً على أسنانِكِ وليس فقط شعرك، أما شعرُكِ فجدولٌ من الحنين، وشعرُكِ شوارعُ من طرقٍ مسائيةٍ في فرنسا، والشامةُ أسفل فَمِك جزيرةٌ في المحيطِ المجيدِ الممَجَّدِ الذي اسمُه الندى. لا أعلم ما علاقةُ عينيكِ بصوتِكِ عندما تغنين، لكن سأقول أنَّ هكذا يكون البورتريه.

 اليقين، وجدتُه في العطرِ الذي ينسدلُ من الميكرفون عندما تمسكينه، فيستيقظُ فرسانٌ من قبورِهم قُتِلوا قهراً ثم يذهبون ليزرعوا في كلِّ مكانٍ وردة، وإذا بدأتِ بغناءِ أول كلمة، تتنحى طيورٌ ذات زقزقةٍ كنتُ أعتقد أن صوتَها مفضلٌ لدي، وإذا دخلتِ في الكلمةِ الثانية ذابتْ أعينُ البشر فأغلقوا أعينَهم وراحوا يدخلون في غيبوبةٍ، وفي ذروة الحالة.

 دُوْرِي بصوتِكِ، كي أدورَ أنا وأخرجَ بأنا أخرى، وغنّي، كي يكونَ العالمُ لنا، لا أعلمُ كيفَ أنَّ البيانو يدخلُ في أغنيتِك، لن أقولَ أن صوتَكِ لا يحتاجُ بيانو، لكني سأقول أنهم: لا يبغيان.

تتجملين؟ يا ليت وجهي يقف وقلبي يقف وعيني تقف، فتنحبس الصورةُ عندما يكونُ فمُكِ دائرياً وعيناكِ عند السماء، وصوتُكِ عندي. وكنداءٍ دائم، نقول:شكراً للغة العربية الأم، لأنها كانت مناسبةً لأن تُغَنَّى من ماجدة الأم.
-
الوقتُ يمرّ،
 ولا نريدُ سوى أن تبقي
-
أمامَكِ ألف ألف من البشر
 لو تعلمين 
لو أنكِ لوَّحتِ لهم
 فكأنكِ مسحتِ على رؤوسهم جميعاً
-
وقيل: "كوني يا ماجدة عاصمةً
ثم نفِخَ فيها من روح الله
 فكانتْ ماجدة.
-
 بيانو يسبق صوتَكِ
 مسكين
 لا قيمةَ له
-
أن تذوقَ طعمَ السكرِ الذائبِ في قطعةٍ من لبنان، مغرَّقةً بالعسلِ الخفيفِ وطعم الڤانيلا، فتصلُ إلى أعلى دماغِكَ وتضربُ كلَّ ما فيك، فيكادُ أن يُغشى عليكَ من الفرحة، هذا هو طعمُ صوتك. ظَلِّي، وهاتي صوتَكِ يظلُّ علينا، وخفِّفي علينا ظِلَّ الوجود، الكمانجة أختُكِ، كلٌ منكما يتشابه، وأنتِ بنفسِكِ مزرعةٌ للورد، لا يكادُ أن يختلفَ وجهُكِ كثيراً عن الورد، فعندما تحملينه أصابُ بالحَيْرة: أياً منكم الورد؟ وعندما تقفين بجانبه لا يختلفُ الوضع كثيراً سوى أنَّكِ إضافةٌ كبيرةٌ للمعنى.
موسيقاكِ تترتبُ في قطعٍ مستقيمة، وفرقةُ الصوتِ الجماعي خلفَكِ تنادي لكل من أراد الغناءَ والخلاص، والغناءَ والخلاص، في حانةٍ تحملُ اسمَ الخير، ويقفُ أمامَكَ جمهورُك سكارىً ليس بالخمر ولكن بصوتكِ، انثري صوتَكِ على الجمهور الذي على الأرضِ وفي السماء، لعلَّهم عندما تنثرينه يعبؤونه في قواريرَ من الزمن، وينادون بكلِّ أملهم: يا وقتُ، انحبس، نريد أن نظلَّ أمامَها، تطعمنا الهيبةَ كأي سيدٍ يطعمُ عصافيرَه خبزاً خبزاً. لو تعلمين، كم هو مؤلمٌ مرورُ الزمن، لأنَّ كلَّ لحظةٍ تمرّ تعني أن الأغنيةَ في طريقها إلى الانتهاء.

 

Saturday, February 28, 2015

أينَكَ؟


أينَكِ؟

أينكِ، وقد انحسرت المسافاتُ في هوةٍ أعلى الصدر، ونبتَتْ وردةٌ ذابلةٌ هناك، والنهرُ قد نامَ على خطاكِ الأخيرة. الشمسُ حاولتْ أن تشابهكِ ففشلت، وخصلتُكِ البعيدةُ قد فارقتْ خدِّي، وتركتْهُ للهواءِ أو الهباء.
{لا شيءَ ينبتُ في غيابِكِ سوى الهباء}
صارَ الليلُ نوعاً من الموت المتفرد بالصراع، والنهارُ شوقاً إلى أنواعِ البدايات، وكانت السماءُ أرضاً لأفكار البعيدين، النائمين، الحاضنينَ اسمَكِ، الجالسين على شبَّاكِ المحبَّةِ، اللاقادرين على النسيان. وأنا، صرتُ حفرةً للأحلام.
{لن ننتهي، حتَّى وإن انتهيْنا}
سأشتاقُ، إليكِ رُبَّما، أو إليكِ حتماً، سأفتحُ أبواباً من الشكّ، وأدخلُ في بياتٍ قلبيّ، وأبحثُ عن خطةٍ بديلةٍ للوردِ والوقت، سأؤجِّل كثيراً إلى أن يصيرَ الوقتُ عباءةً للهباء، وربَّما سأنام.
 سأرى طيفَكِ بوضوح، كلَّ ليلةٍ وكلَّ صباح. وقد أغيرُ عقلي عن قصدٍ، أمَّا ما يُسَمَّى بقلبٍ فهو في مكانه بين النجوم التي لن تخدشَها يدُ القدر.

كفكرةٍ سيئةٍ من الزمان، إنَّ موسمَ الغيابِ قد حان، لكنَّ البُعدَ مرآةٌ للقُرب، وفكرةُ النهايةِ أقربُ من ابتعادِ البدايات.
{وإنَّ بدايةً تنتظر}

الكونُ يسيرُ بصباحاته، ونحنُ تحتَ الوردةِ اللاذابلة؛ ننتظرُ لحظةً للبداية، والبدايةُ نهايةٌ.
{البدايةُ نهايةٌ للانهيار}

الرياح، قد سافرت إلى الذي أبعدَ من الممكن، ونادى منادٍ من بعيد: أن لا عودةً للرياح في بلادِ دمِ القلب إلَّا بعودةِ غيمةِ هوائكِ، ورجوعِ الفكرةِ إلى المسرح، وبقِبلةٍ إلى بلدِكِ، لعودتِكِ أنتِ.
{بالذي تؤمنينَ به، أينَكِ؟}
الموسيقى تدور، وأغنياتُنا تتلاقى في الطريقِ المُلقى على ناصيةِ الفضاء، تخلعُ الأغنياتُ المعنى، وترتاحُ في جسدينِ تلاقيا عند نقطةٍ في الهواء.
{الأغاني ترتاحُ في كِلَينا}
أفتِّشُ في الأوقات، وأبدأ بمعرفة مسافاتِ تمدد الزمن،  لا أجدُ إلا جُملةً وحيدةً تجلسُ واثقةً؛ غداً سيكون فراغاً، إلا منك.
وجهٌ ووجهٌ، اختلافُ السماءِ عن سماواتها، سوادٌ عظيمٌ،  انحسارُ الألوانِ في ليلِكِ،
لهذه الأسباب؛ أنحازُ لوجهِكِ.

- استيقظْ، لقد عدتُ.
- لن أرفعَ الغبارَ عن لوحتي، وربما سأرفعُ لؤلؤةً أرادتْ أن تبقى في سماء الفكرة، لِمَ أتيتِ؟
- لأنَّ لا شيءَ لم يعد مُتَّسعاً للهباء، أتَيْتُ لأني أتَيْتْ.
 - لماذا لا تنتهين، فننتهي؟
- إذا انزلق العرفُ عن الناس، سأنتهي. أنا لا أنتهي، وإن انتهيت.
- ماذا تريدين؟
- نسمةً على عنقِك، كنتُ أريدُها، لم أعد أريدها، صرتُ أريدُها.
يصيرُ الحوارُ مسافراً لأبعدَ من السهر، 
هو ينحسرُ بالنبيذ، هي تتغطى بالقمر.
هو انكسر كبيتٍ من سراب، هي تنامُ في أفكارها.
لا تستمر الصورةُ إلا بهذه الصورة، يسأل طائرٌ، كان وحيداً دائماً، ثالثَهم كان، 
يسألُ: إلى متى يعيشُ حبيبان في بيت؟
هي، تعودُ: استيقظ، لقد انتهيت.

Tuesday, November 4, 2014

"ضحكتُكِ"

ضحكتُكِ بلادٌ من الورودِ والأغنياتِ، والطفلات بفساتينَ حمراءَ وبيضاء، ضحكتك تلخصُّني، وتلمُّ الحكاياتِ والصباحات والمساءات الطويلة، لحبيبك، الذي يرتِّبُ علاقاتِه مع الأشياء بخوف النهار من الليل وتردُّدِ الأغنياتِ الراجفات، ويرتِّلُ اسمَكِ مع كلِّ بداية، الذي لا يرى يوماً بدونك، والذي لا ينامُ على وسادته الغيميةِ إلا ويقول بصوتٍ من حياة: أحبُّكِ، وأنتِ الجميلة، وبلادي الأولى والأخيرة، وأنتِ حقيبتي التي أخرجُ بها كلَّ يوم، وموتي الحيوي، وبدايتي قبلَ النهايةِ بساعتين، وهبوب ُالخيالِ في أرضِ الحقيقة، أنتِ الخيال واللاحقيقة.

ضحكتُكِ تفريغُ الناياتِ أفكارَها، وسردُ الرواةِ تفاسيرَهم للحياة، وسببٌ كافٍ للقبائلِ كلِّها لأن تعيش، ولقبولِ الكونِ الحياة على الأرض، ولغربلةِ البشريةِ إلى مراحلها، ولانكسار الأملِ ليتحوّلَ إلى شيءٍ أكبرَ منه بكثير، الأملُ صغيرٌ، وأنتِ أكبر، أنتِ أكبر. 

ضحكتُكِ بدايةُ صهيلِ الأفراح في يومٍ لم تمرُّ قبلَه حياة، ضحكتُكِ ذوبانُ المدى في وردة ٍوحيدة، وارتياحُ المدنِ في كفَّيك ِعلى كتفيكِ، وانتهاءُ كتمانِ المسافات، ضحكتُكِ خيبةٌ للشعراء.

ضحكتك وصولُ حضاراتٍ إلى أعلى ثقافاتها، من يسمعها يصعد في السماء ويجلس بجانب الشمس، ليقنع الطبيعة بملاكيتها، وليطلبَ من الملائكة أن ترعى الحب وتمنع الطبيعةَ من الاندثار، ضحكتك ترجعني كطفلٍ يغارُ على هداياه، ويُعجَبُ بأفكاره الأولى، وأنتِ هديةُ السماء، وقمرٌ يجلس على الطاولة بمعجزة يديك.

 وعن يدك، عن يدكِ التي تخلق طبيعة ممتدة إليَّ بمعجزاتها، وتأتي بمخاض الحقائق من جوفي، وباندهاشاتي السريعةِ كفعل الألوان كلها، فأنا أحبها، وأحبكِ، وأحبكِ ليس كحبي للناس، أحب الناسَ، وأحبكِ، كفرقٍ بين الولادة والموت.

ضحكتك لن تنتهي، وإن سكتت، فليست الحياة تنتهي بسهولة الموت، وليس مِن خُلُقِ الموت أن ينهيَ الوردةَ قبل أن تنضج، وليس من طبيعة القلوب أن تنسى فعلَ الإحياء وأسبابه، وإن روحاً داخلي تتلقى الضحكاتِ كنقشةٍ على حجر، كلوحةِ طفل أولى، فالطفلُ لا ينسى لوحتَه الأولى أبداً، وأنا أحبكِ.

ضحكتك لا تبدأ، فقد بدأت قبل أن أتعرّفَ على الموسيقى، ربما جاءت لإقناع الأكوان أن تتفجر، ولتبدأ الحياة بشكل منطقي، ولا يمكن التأكيد أبداً، مَن جاء أولاً: ضحكتك أم الحياة؟ 

وإن تهتُ يوماً، وأضعتُ نفسي، بحثت عنكِ فوجدتني عندك جميلاً وكبيراً، وأنا أحبكِ.

ضحكتك جميلةٌ، لأنها هي، أو أكثر من ذلك، مما لا يُدْرَك.

ضحكتك إبطالٌ لمعاني الحكايات، وجنونٌ للأئمة والنبلاء، وإنذاراتٌ للبدء قبل الرحيل، وضحكتك ليلٌ للحالمين، وخيلٌ تسيرُ من أجل السلام، وضحكتك غيمة تمسح المسافات، وخيمةٌ تُظِلُّ العابرين، وضحكتك نصٌ كهذا قد هلك من كثرة العطف، نص ٌقد هلك من كثرة العطف، فهجم عليه النقاد، 
لكنِّي أصفُكِِ، وأنا أُحِبُّكِ.

Sunday, July 27, 2014

يا الشهيد


انهارتْ القصيدةُ وصارت كلمةٌ تخرجُ من أيِّ بشرٍ بلا أيّ ترتيب أكبرَ من أيّ قصيدة، يا الشهيد، ما أحلى ملامحك!



لو أن جلدَكَ زيتٌ لنزلتُ عندكَ أشربُ وأغتسل، لفعلت، لو كانت أذنُك تسمع كما كانتْ، لصرختُ حتى تنقطع كل الأحبال: أحبُّكَ، لو أنَّكَ تعود، لأخذتُك وزرعتُ في كلِّ وجهكَ آلافَ القبلات، لو أنك تعود.

لو كان أنفُكَ يعمل، كما كان يعمل، لجعلتُك تشتمُّ جثثَنا ونحنُ أحياء، وتشتمُّ رائحةَ ملابسِكَ بعد رحيلك، ولتعلم أن قميصَك الورديّ الذي حرصتَ على نظافته دوماً، أصبح ممتلئاً بالدم، ظننتُ أنّك ستغضب، أليس الدمُ نظيفاً يا شهيد؟

لو كان لسانُكَ يعمل، كما كان يعمل، لسحبتُكَ، بكلِّ قوةٍ، وبلا مهاودة، لتأتي، لتقبّلَ حبيبَتَك، والتي كنتَ كلَّ شيءٍ لها، فأصبحتَ شيئاً في ثلاجةٍ غريبة عليها، كانت تريد يومها منك، وأرادت يدَك يدَها، وصدرَك حلمَها، وبسمتَك هدوءَها، وحاجبَك قصيدتَها، وصوتَك أغنيتَها، ووجهكَ شمسَها، والتي حلفتْ بعدك أنها ستمكث لياليها كلها وهي تدعو لك، لكنها لم تستطع أن تمكث ليلةً واحدة دون البكاء، كانت تحبٌّك، وحدك، أتدري ما معنى أنها تحبك، يا شهيد؟ 

لو كان لسانُكَ يعمل، لجعلتُكَ تلعق ملح دموع أمك، التي لم تعد تستطيع اللغة أن تتحدث عنها، لو كان.

لو كانت إحدى يديك تعمل، لذهبتُ مسرعاً إليها، وحضنتها كطفلٍ بلا خجل، لو كانت يدك تعمل، لسلَّمتُ عليكَ ألف مرة، ولظللت أبتسم في وجهك، كالمجنون، إلى أن ينهار وجهي من كثرة الابتسام، وأخبرك أني أحبك، يا الشهيد، أحبّك.
يا الشهيد، وكل يوم أمر من مدخل بيتك، أرى خيالك الرائع كثيراً، وأثر حذائك، وأبادل نفسي السلام، بدلاً من أن أقولها لك، في وجهك، ونحكي كثيراً، ونتأخر عن مواعيدنا، ونتمنى لكل منا الخير، وتذهب، نحن الآن لسنا بخير.

وباب بيتك الذي ينادي عليك بصوته ولكنهم لا يفقهون، ويتحسس نفسه، يسأل: أين أثر يديك من عليه، وأين أثر البلسم الذي كنت تتنفسه وتنشره وتعطيه لمن تعلم ولمن لا تعلم، وتنشر جمالك حراً في المدينة، وتعلن عن نواياك العظيمة جهراً، وتجعل أعداءك –إن وُجِدوا- يصفقون، ويقفزون من شدة الخوف، ثم إذا سئلنا: "من أحسنكم أخلاقاً؟" رفعنا رأسنا جميعاً، وابتسمنا، وجعلناك تتقدم، إنك أنت، أنت الأحسن والأهم والأعلى والأبقى والأول والآخر والشهيد.

يا الشهيد، هل إلى هذا الحد يمكن للإنسان أن يكون رائعاً؟